شيخ محمد قوام الوشنوي
136
حياة النبي ( ص ) وسيرته
ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي ، فبلغ ذلك قريشا فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد فجمعوا للنجاشي هدية فقدمنا وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية فقبلها وسجدا له . ثمّ قال عمرو بن العاص : انّ أناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك . قال لهم النجاشي : في أرضي ؟ قالوا : نعم ، فبعث الينا ، فقال لنا جعفر : لا يتكلم منكم أحد ، أنا خطيبكم اليوم . فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في محله وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون والرهبان جلوس سماطين سماطين ، وقد قال له عمرو وعمارة : انّهم لا يسجدون لك ، فلمّا انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان : اسجدوا للملك ، فقال جعفر : لا نسجد الّا اللّه عزّ وجلّ . قال النجاشي : وما ذاك ؟ قال : انّ اللّه تعالى بعث فينا رسولا وهو الرسول الذي بشر به عيسى عليه السّلام ، قال مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ « 1 » فأمرنا أن نعبد اللّه ولا نشرك به شيئا ونقيم الصلاة ونؤتي الزكاة ، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر . فأعجب النجاشي قوله ، فلمّا رأى ذلك عمرو بن العاص قال : أصلح اللّه الملك انّهم يخالفونك في ابن مريم . فقال النجاشي لجعفر : ما يقول صاحبكم في ابن مريم ؟ قال : يقول فيه قول اللّه عز وجل هو روح اللّه وكلمته أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر ولم يفترضها ولد . فتناول النجاشي عودا من الأرض فرفعه فقال : يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه ، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده ، وأنا أشهد أنه رسول اللّه ( ص ) وانّه الذي بشر به عيسى عليه السّلام ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتّى أقبل نعله ، امكثوا في أرضي ما شئتم ، وأمر لنا بطعام وكسوة وقال : ردوا على هذين هديتهما . ثمّ روى ما رواه ابن الأثير في الكامل وابن هشام في السيرة « 2 » مع هذه الزيادة : فقال النجاشي : هل معك مما جاء به عن اللّه من شيء ؟ فقال له جعفر : نعم . فقال له : اقرأ ، فقرأ عليه صدرا من كهيعص ، فبكى النجاشي واللّه حتّى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتّى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلى عليهم . ثمّ قال النجاشي : انّ هذا هو الذي جاء به . . الخ .
--> ( 1 ) سورة الصف / الآية 6 . ( 2 ) السيرة النبوية لابن هشام 1 / 360 ، الكامل لابن الأثير 2 / 81 .